



رقم العدد:
10334
التاريخ:
17/10/2007
الأدب هذه المفردة الجامعة والشاملة، تجلى به الفرد الحاضن لها لمختلف درجات
العلا والسمو بين أقرانه الآخرين من أرباب العلوم الأخرى. فالأدب لم يكن فقط
يعتمد جمالية أو إبداعاً مكتوباً أو شفهياً، بقدر ما هو فن من فنون الحياة
والحضارة. والأدب نتاج قلم نابض في ماضي الأمم وهموم حاضرها وتطلع مستقبلها. من
هنا، اهتمت الأمم بأدبائها، لكونهم رسل حضارتها وثقافتها وعنوان إبداعها وهويتها.
والكويت بزغ منها الأدب فجراً مبكراً، سبق في أصالته وهويته عصره المبكر، بما
قدمه أبناء الكويت من الأدباء من تراث يخلد للكويت تاريخاً حافلاً برواد للثقافة
والأدب.
وقليلة جداً تلك الأقلام الصحافية التي تتجول في عالم الأدب والثقافة، بما ترصده
من روابط وثيقة بين الكلمة والموقف، وقد جمعتا في قالب واحد، ألا وهو الفكرة،
والفكرة تتجلى بطبيعتها عند الأديب الذي مهما قدّم من عطاء وبذل من تضحيات، فإننا
لا يمكن أن نوفيه حقه في هذه الدنيا من تكريم، إذا لم نكن واعين ومؤمنين بما
قدّمه من فكر وإبداع وموقف، يجعلنا ندين له بالفضل كشهادة وفاء واعتزاز، تمنحه
الخلود في ذاكرة المكان وتقاويم الزمان... قد تكون الحياة قصيرة، إلا أن عمر
الأدب طويل، مادام هنا وهناك من يخلده.
الأستاذ عبد الله خلف، رائد من الرواد الشاهدين لبدايات وتأسيس رابطة الأدباء
الكويتية، يوازي مشواره الأدبي عطاء ونتاجاً إعلامياً مؤسساً للبرامج الأدبية
والثقافية في الإذاعة الكويتية، قدم من خلالها برامج عدة، كجولة في عالم الأدب،
المجلة الأدبية، الموسم الثقافي، الشعر ديوان العرب، معارضات يا ليل الصب، لهجة
الكويت بين اللغة والأدب، مواقف في حياة الشعراء، وبرامج أخرى اتصلت كان لها قصب
السبق في الاتصال بأسماء لامعة في سماء الثقافة العربية، كعميد الأدب العربي
الدكتور طه حسين، الشاعر محمد مهدي الجواهري، الدكتور محمود حسن اسماعيل، الشاعرة
نازك الملائكة، الناقد الكبير عباس محمود العقاد، والشاعر عبد الوهاب البياتي،
وآخرين.
لتستمع منه وهو يحدثك بصوته الرصين عن أهم محطات ذكرياته مع مشواره الإذاعي، وكيف
كان قسم البرامج الثقافية نشطا وفعالاً بالبرامج والأفكار، يقدمها مجموعة عريقة
من الكتاب والمثقفين، والتي بدورها خلقت جيلاً لن يتكرر من المستمعين يتابعون
بوعي حريص نوعية هذه البرامج التي تعتمد جودة المضمون والمحتوى.
كذلك، فالأستاذ عبد الله خلف، يقدم نموذجاً حياً للكاتب صاحب المقال الملتزم
بثقافة المجتمع وأصالة المشهد الأدبي في الكويت، وهو ما نفتقده ونحن في وقت نشهد
فيه صدور صحف جديدة، يتسابق الكثيرون لأن يحجز له زاوية أو ركناً يومياً أو
أسبوعياً من دون أن يكون له خط ثابت أوفكر معين واضح. في حين نجد الأستاذ عبدالله
نأى بقلمه عن مثل هذا التسابق المحموم والتلاسن ما بين الكتاب، بما رسمه لنفسه
منذ البداية من نهج ومسيرة تعتبر شاهداً على غنى الروح الكويتية بالثقافات
والقراءات الكثيرة، ليضيف بهيبة قلمه الكثير من القيمة للمقال الصحافي المتخصص
الذي يطوف بين أرجاء كثيرة من المواضيع الفكرية والثقافية والسياسية، فهو صاحب
أفلاك مليئة بالمواقف والذكريات وموسوعة مهمة وطريفة، يستمتع معه عشاق المتابعين
لأخبار الأدب والأدباء وغيرها من النوادر التي لن تجد من هو أبدع من يأتيك بها
ويلقيها على مسامعك كما هو العم بو طارق.
إضافة لذلك، تميز قلمه بنتاج عدد من الإصدارات الأدبية والفكرية. فيذكر الدكتور
عبده بدوي في تقديمه لكتاب «الشعر ديوان العرب – شعراء المعلقات» أنه وضع أساساً
في إطار الكلمة المسموعة، وأنه سمعه مقروءاً في الإذاعة، وهوما يعتبر إحياء
للتراث الأدبي واللغوي عبر تقنيات الإعلام الحديثة التي تعاني سطحية الهوية
وضحالة الفكر المسيّر لها هذه الأيام، لا سيما في ما تعلق بالثقافة والأدب.
ولعل أهم ما شغل اهتمام أستاذنا الجليل عبد الله خلف، حرصه الكبير على العناية
باللغة العربية الفصحى، ومحاولة انتشالها من فوضى العامية. وهو ما أكد عليه
كثيراً في مؤلفاته وبرامجه الإذاعية ومشاركاته الثقافية ومقالاته الصحافية.
لأذكر هنا ما قاله في مقال منشور له في مجلة البيان في منتصف السبعينيات تحت
عنوان «حماية الفصحى من النطق العامي في الإذاعات العربية»، عندما استضاف أحد
البرامج التلفزيونية عميد الأدب العربي طه حسين مع مجموعة من عمالقة كتاب
العربية، وقد أنه أحرجهم عندما ذكر بأنهم يتحدثون خلاف ما يكتبون، كذلك يورد
موقفاً سمعه بنفسه في محاضرة لطه حسين في جامعة دمشق، وكيف أن نطق جيماً واحدة
جيما قاهرية على العامية الدارجة، وأنه وقف وتأسف وأعادها عربية خالصة. ليعلق
الأستاذ عبد الله خلف: «ولقد أخذت الفصحى تتأثر بالعامية إلى درجة أنها احتوت
منها الكثير ولقد جنت الصحافة على اللغة واستحسنت العربية المبسطة، ولما جاءت
بعدها الإذاعة انتقلت هذه اللغة بواسطة كتاب الصحافة، وحتى الآن معظم من يحدث
ويكتب هم رجال الصحافة، ولا أقول أن كل من في الصحافة يجهل العربية بل فيها
أساتذة وعمالقـة، ولكن الأكثرية اعتمدت على اللغة المبسطة وجاءت إلى الإذاعة بهذا
الأسلوب السهل المشبع بالعامية».
وخلال توليه مسؤولية الأمانة العامة لرابطة الأدباء خلال الفترة ما بين
(1999-2007) استطاع أن يقيم جسوراً بين أجيال عدة من الأدباء في الكويت، ناهيك عن
دوره المؤسس لقيام منتدى المبدعين عام 2001، وحرصه على إشراك الأدباء الشباب في
تمثيل الرابطة خارج الكويت، ودعوته الدائمة لجيل الشباب للمحافظة على سلامة
الفصحى في كتاباتهم لكونها أساس تنمية وصقل إبداعهم قبل أن يفكروا بالشهرة
والتداول، فمتى ما تأسس المبدع على وعي ملتزم وقلم مشبع بالمعارف والثقافة، وعلى
لغة فصيحة صحيحة، كلما ارتقى درجة عليا في سلم الأدب والحياة.
فهد توفيق الهندال
كاتب وناقد كويتي