| كتب مدحت علام |

عبدالله خلف: محمد الفايز أبدع في تصوير هموم البحار

عبدالله خلف: محمد الفايز أبدع في تصوير هموم البحار فايز الداية: كان جزءاً من نسيج الثقافة العربية الحديثة

اختار مهرجان القرين الثقافي ضمن انشطته الشاعر الكويتي الراحل محمد الفايز ليكون منارة ثقافية كويتية، ومن ثم الاحتفاء به في رابطة الأدباء.
والاحتفالية اقيمت مساء الاحد الماضي بحضور الامين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدر الرفاعي وابنة الراحل شذا الفايز.
وحاضر في المنارة كل من الأديب عبدالله خلف، والدكتور فايز الداية، وادارها الشاعر صلاح دبشة.
وتحدث الكاتب عبدالله خلف عن «بعض الجوانب الاجتماعية في شعر محمد الفايز» ليقول: «سجل اسمه خالدا في ديوان الشعر الكويتي، وذلك بما تميز به من وفرة الإنتاج وجودته... فقد انتج مجموعة من الدواوين بلغت اثني عشر ديوانا مع ديوان (خرائط البرق) الذي تركه ضمن اوراقه فرحل إلى رحمة الله تعالى فأصدرته ابنته شذا محمد الفايز... بدأ الفايز في كتابة القصة القصيرة تحت اسم مستعار هو (سيزيف). وكان لذلك اثره في بناء النص الشعري في مذكرات بحار... التي جاءت كملحمة قصصية تروي حالة الإنسان الكويتي الذي شيد وجودا وسطر تاريخا. وحاول ان يجمع الكثير من تراث الإنسان الكويتي في الغوص والسفر عماد الدخل القومي وحياة المجتمع... (مذكرات بحار) سجل حافل لتاريخ مجتمع واجه تحدي الاقدار، من شظف العيش وجوع وضعف، وأمراض لا تُعالج إلا بأدوية شعبية ورُقية مع الاوهام... جوع البحار جوع اقتدار، هناك جوع آخر يُجبر عليه لكي لا يتعافى وتعتريه سمنة تعيق قدرته على التوغل في اعماق البحر».
واضاف: «تناول الشاعر حالة البحار النفسية في معاناته من اجل لقمة العيش. ابدع الشاعر في تصوير لوحاته الفنية أيما ابداع وهذا ما جعل شعره متميزا بين كل ما كتب عن البحار في الخليج العربي... بل انه تجاوز ذلك السبق إلى الوطن العربي كله على الرغم من ان الدول العربية كلها تقع على البحار ولها معايشة في تاريخها القديم والحديث مع البحر، ومع هذا لم يظهر شاعر ليحمل كل هموم البحار ويخصص له ديوانا ويتحدث عنه في دواوينه الاخرى، (مذكرات بحار) سبق خليجي وعربي جادت به هذه الملحمة وجاءت في عشرين لوحة فنية رائعة. وصاغها في قصائد من الشعر الحر (شعر التفعيلة وكلها على وزن واحد هو من بحر الكامل عدا المذكرة الاخيرة فقد جاءت على بحر الرجز والمتقارب) ولقد احتوت الطبعة الأولى على ثماني عشرة مذكرة وأتمها عشرين في ديوان «النور من الداخل» في يونيه 1966».
وأكد خلف ان حركة التجديد الشعري سطع في سمائها ثلاثة شعراء هم: أحمد العدواني وعلي السبتي ومحمد الفايز، وهؤلاء نظموا الشعر الحر مبكراً.
واوضح خلف ان محمد الفايز اعطى بُعدا مميزا للحياة الاجتماعية في الغوص والسفر في شعره الذي لم يرد مع شعراء الكويت والخليج العربي.
مشيرا إلى قصيدة «من بلاد الهولو» ضمن ملحمة مذكرات بحار، تلك التي اعتبرها خلف نشيدا وطنيا رفيعا.
وتحدث خلف عن الفايز عندما هجر القصة إلى الشعر، وكانت أول قصة نشرها بعنوان «أم عبدالله» في 10 فبراير 1963 في مجلة الرسالة. وكانت قصته الاخيرة عنوانها «السمكة» ثم اتجه إلى الشعر. وقال خلف: «كنت في تلك الفترة رئيسا للقسم الادبي في إذاعة الكويت، اذيع قصصه مع قصص اخرى، فأذعت اسمه الصريح وليس المستعار سيزيف، كما نشرت له الصحف».
واضاف خلف: «نشر الفايز مذكرات بحار في سنة 1965، وليس في سنة 1962 كما شاع عند معظم الكتاب».
وأكد خلف ان الشاعر محمد الفايز قد انفرد في تخصيص ديوان عن «البحار» ولم يسبقه احد في الحديث عن البحار لا في دول الخليج العربي أو البلدان العربية الاخرى، رغم ان جميع الدول العربية تقع على البحار.
ثم تطرق خلف إلى مسألة الحنين إلى الماضي في قصائد الفايز، الذي وضع كل طاقاته في تصويره، كما أشار إلى مواقف ابداعية عند الفايز، خصوصا في اختياره شخصية السندباد الاسطورية، واختتم خلف ورقته البحثية بحديثه عن قصيدة نادرة نشرها الفايز ووضعت وسط قصته «امرأة من عطور» في مجلة الرسالة الكويتية لصاحبها ورئيس تحريرها جاسم مبارك الجاسم والقصيدة عنوانها «يا نار عينيك»، كما ان هناك قصيدة نادرة اخرى عنوانها «النار والاعصاب» نشرها مع قصته في «الرسالة» عام 1964.
وقرأ الشاعر ماجد الخالدي قصيدة من روائع محمد الفايز.
ثم جاء دور الدكتور فايز الداية الذي قدم بحثا عنوانه «موانئ السندباد... الاسلوب والتجربة في رحلة محمد الفايز الابداعية» ليقول: «نستطيع تفسير هذا التماوج والتفاوت في رحلة محمد الفايز الابداعية، فهو كان جزءا من نسيج الثقافة العربية الحديثة، في فكرها السياسي وما اعترى بنيتها الاجتماعية من تطورات وما تبدى في الوان الفنون والأدب، وهكذا تتشكل خصوصية تجربته وهي لا شك علامة في سجل الشعر في الكويت مع اتصال بما قدمه الشعراء العرب، ولن تقتصر الفائدة على المقارنة بين نتاجه وذاك الحشد من اعمال اقرانه في الوطن العربي، وإنما يفيد أدباء الاجيال الجديدة من ظواهر لازمت الحركة التفاعلية بين الفايز ومحيطه المحلي والعربي، ومن اتخاذه محطات المراجعة والنهوض».
وتناول الداية ابداعات محمد الفايز من ثلاث مراحل... الأولى من خلال عنوان الفجر والضحى، وتتضمنها قصائد ديوانه النور من الداخل، والطين والشمس، والمرحلة الثانية عنوانها «اتساع الظهيرة»، وتشمل دواوين «رسوم للنغم المفكر» و«ذاكرة الافق» و«لبنان والنواحي الاخرى» و«حداء الهودج»، و«خلاخيل الفيروز»... اما المرحلة الثالثة فإن عنوانها «العودة إلى مينا البنوءة»، وهي تتمثل في ديوان «تسقط الحرب».
وأوضح الداية ان محمد الفايز دون قصائد ديوانه «مذكرات بحار» على صفحات الجريدة، ثم اتخذت سبيلها إلى الكتاب، وكان نشر مجموعة من القصص القصيرة التي اهتمت بصور الحياة المعاصرة على نحو اقرب إلى الوثائقية.
وقال: «لقد روت المذكرات العشرون تجليات البطولات للانسان، ولأهل هذا الشطر من الأمة العربية، وذلك في جانبين يحققان الحياة»، موضحا ان الجانبين هما الصراع من اجل كسب العيش من البحر، والجانب الآخر يحكي البطولة.
وذكر الداية جانبا مهما في تناول الفايز الملحمي، حينما ارسل هذه المذكرات متزامنة مع النهوض وبناء الدولة واستشعار الغد، وانه لم يقصد العودة إلى الماضي، وما حفل به من سيرة البحر وحكايات الاسلاف، وانما كان يبحث عن البؤرة الباقية والقادرة على الاشعاع مع الاجيال.
واشار الداية إلى الغنائية في مذكرات بحار تلك التي تلاحمت مع الصوت - الراوي - الذي كان يكشف في أوقات كثيرة حالات حميمية اقرب ما يكون في القصيدة. وان خيار شعر التفعيلة في المذكرات يصبغ بنيتها الفكرية في زاويتي التعبير والتواصل فهذا التشكيل الموسيقي للشعر جزء من حركة النهوض العربي.
واستطرد الداية في بحثه ليشير إلى اصدارات الفايز للدواوين الشعرية منذ عام 1973 حتى عام 1984، مشيرا إلى القضايا التي عرضها الفايز في قصائد دواوينه مثل اهوال الحرب والمنزلقات التي ادت اليها دخول اوطان عربية وعلى اطرافها، إلى جانب استخدامه للرمز وتوضيح مكانة المرأة ودورها في المجتمع والغضب من العدوان الصهيوني على الاراضي العربية وغيرها.