أمالي التيلجي


كتب حمد السنان

2010/03/22حمأصل مقالتي اليوم، والباعث على كتابتها مقالة للأستاذ الأديب عبدالله خلف بعنوان «أحبها وتحبني» بصحيفة «الوطن» الجمعة الماضية، على صفحة مقالات اليسار، ولاستتمام فائدة مقالة اليوم، لا بد من الرجوع الى المقالة المذكورة.. فالى مقالتي اليوم:
لم يبق شيء من الدنيا يسر به
الا الدفاتر فيها الشعر والسمر

ذلك ما يخطر ببالي عندما أقرأ ادبيات عبدالله خلف في زاويته بين أعمدة الأخبار، وزواياها، ليهرب بي من واقع الأمة الى ما أسر به من ماضيها، واني وانا أقرأ له أرى في شأنه أمرين:
شأن المُملي، وشأن العلامة، وسأبدأ بالثانية لأنني سأشير اليها اشارة، ثم أتناول الأولى مشيرا اليها ومستطردا.
فأما مافيه من شأن العلامة، فانك تراه عندما يكتب، خبيرا بما يكتب، لا تختلف خبرته فيما كتبه رغم تنوع مواضيع كتابته، فلو تناول مقالا سياسيا، لرأيته الناقد البصير المطلع، حتى ليخال اليك أنه لا يحسن الا السياسة، واذا تناول مقالا تاريخيا، لوجدت سرد الطبري، وضوابط ابن خلدون، وإذا تناول مقالا أدبيا لوجدته يتنقل بك تنقل المُملين بتجاوز السآمة، وطردها عن السامع، وعندما قلت بأن فيه من شأن العلامة، ولم أقل علامة فلعلمه بعدم المطابقية، وان لم يقلل ذلك من قدره، لأن حد العلامة ماقيل فيه والذي هو يعرفه..
وكان من العلوم بحيث يقضى
له من كل علم بالجميع

بمعنى ان العلامة امام في كل علم يتكلم فيه على اختلاف العلوم، فهو في اللغة امام وفي الفقه والأصول امام وفي التفسير والحديث امام، وفي القرآن وعلومه امام، ولا وجود عادياً لمثل هذه الصفة، أو اللقب في عصرنا. ولجهل البعض في هذا الحد فانه يتبرع به اعجابا وعاطفة للبعض، تبرع من لا يملك لمن لا يستحق.
وأما مافيه من شأن المُملي، فلابد لبيان هذا الشبه، من بيان المشبه به، أعني المُملي.. والمُملي نسبة الى فن الاملاء، وهو فن يختص به أوعية للعلم خاضوا في شتى العلوم فاستفرغوها، ثم أملوها على من يكتب عنهم في مجالسهم، التي تسمى مجالس الاملاء، فهي تختلف عن مجالس العلم الأخرى التي تتميز بوحدة الموضوع، كمجلس الفقه الذي يبدأ فقها وينتهي فقها، أو مجلس الحديث كذلك ومجلس اللغة، بل هو مجلس ربما بدأ ببيت شعر وانتهى حديثا، أو بدأ بالفقه ليطوف بالوعظ وينتهي بالأدب، وهكذا وذلك كما ذكرت لطرد السآمة عن السامع، والتي مظنتها الاسهاب في الموضوع الواحد.. وممن اشتهر به من الأئمة، أبو علي القالي، وأبو اسحاق الزجّاجي.
ومُملينا اليوم عبدالله خلف التيلجي بعد ان فرغ من عدة مقالات لأسابيع خلت تناول فيها مواضيع شتى سياسية كعلاقة آية الله منتظري بالخميني ومكانته بالنسبة لمنصب المرشد الأعلى للثورة، أو تاريخية كمقاله الذي يتكلم فيه عن علاقة مدينة الزلفي بالكويت وأهم العوائل الكويتية التي نزحت منها، لقد تناول الجمعة الماضية مقالة أدبية بعنوان «وأحبها وتحبني» وهي صدر البيت المشهور «وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري» للشاعر المُنَخّل اليشكري، حيث كتب فيما جرى بينه وبين النعمان بن المنذر، ولقد انتابني حين قراءتها ما ينقل عن الشافعي عندما يسمع الأدب فيقول: «أسمع بالحرف منه، مما لم أسمعه، فتود أعضائي لو ان لها أسماعا تتنعم به مثلما تنعمت الآذان»، وسأتطفل على أديبنا وأحتطب معه بحبله، وأجمع عودا الى حزمته، لأقول: وفيمن ضرب فيه مثل لعدم الأوب كذلك، كما ضرب في المُنَخّل.. القارظان، قال أبو العباس المبرد: والقارظان: رجل من النمر بن قاسط خرج يبتغي قرظا - وهو شجر يوقد به - من بعد فنهشته حية فمات، فهو أحد القارظين، والقارظ الأول من عَنَزة، كان خرج مع ابن عم له في طلب القَرَظ، فقتله ابن عمه لأنه كان يريد ابنته فمنعه..
قال أبو خِراش:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما
وينشر في القتلى كليبٌ لوائل

ولأدع القارظين، لأذهب صحبة استاذنا عبدالله خلف الى مجلس النعمان بن المنذر، نستمع وصف النابغة، «للمتجردة» زوجة النعمان، ومبالغته في وصفها، التي دعت المنخّل يقول للنعمان: «أبيت اللعن، هذا وصف معاين»، والذي دعا النابغة للهرب خوفا من بطش النعمان.. أقول لأديبنا، فكرة هي بنت ساعتها، ان قول المنخل «وصف معاين» ربما كان هو الذي أغرى النعمان، بالتربص للمنخل وقتله، باتهامه لنفسه بهذا الوصف بالمعاينة، والا فما أدراه بهذه «المعاينة»!! أردت الفائدة، فأرجو الافادة.
وبعد.. وعودا على البدء، لايلبث هذا الهروب ان يصدمه الواقع ليردني الى واقعي الذي لابد من الايمان به وأنه قدر الى قدر، وأنه لابد من بعد الأَعسار- جمع عسر- الى اليسر. فما أوصفه من وصف، وأبينه من تعبير لما نحن فيه للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله حيث يقول: «مثلنا فيما نحن فيه من الأقدار الى مايريد الله ان يقدره، كمثل ركاب في مركب، كل في شأنه، لكن المركب ستصل بهم جميعا الى وجهة واحدة، مهما اختلفت شؤونهم».
 

حمد السنان
h.alsanan@alwatan.com.kw